العلامة المجلسي

456

بحار الأنوار

لتريحك ، وتتعب لترفدك ، وتتقذر لتنظفك ، لولا ما ألقيت عليها من المحبة لك لألقتك في أول أذى يلحقها منك ، فضلا عن أن تؤثرك في كل حال ، ولا تخليك لها من بال ، ولو وكلتك إلى وكدك ، وجعلت قوتك وقوامك من جهدك ، لمت سريعا ، وفت ضايعا . هذه عادتي في الاحسان إليك ، والرحمة لك ، إلى أن تبلغ أشدك ، وبعد ذلك إلى منتهى أجلك ، أهيئ لك في كل وقت من عمرك ما فيه صلاح أمرك من زيادة في خلقك ، وتيسير لرزقك ، أقدر مدة حياتك قدر كفايتك ما لا تتجاوزه وإن أكثرت من التعب ، ولا يفوتك وإن قصرت في الطلب ، فان ظننت أنك الجالب لرزقك ، فما لك تروم أن تزيد فيه ولا تقدر ؟ أم مالك تتعب في طلب الشئ فلست تناله ؟ ويأتيك غيره عفوا مما لا تتفكر فيه ، ولا تتعنى له ، أم مالك ترى من هو أشد منك عقلا وأكثر طلبا محروما مجذوذا ، ومن هو أضعف منك عقلا وأقل طلبا محروزا مجدودا ، أتراك أنت الذي هيأت لمشربك ومطعمك سقاءين ( 1 ) في صدر أمك ، أم تراك سلطت على نفسك وقت السلامة الداء ، أو جلبت لها وقت السقم الشفاء ، ألا تنظر إلى الطير التي تغدو خماصا ، وتروح بطانا ( 2 ) ؟ ألها زرع تزرعه أو مال تجمعه ، أو كسب تسعى فيه ، أو احتيال تتوسم ( 3 ) بتعاطيه . اعلم أيها الغافل أن ذلك كله بتقديري ، لا أناد ولا أضاد في تدبيري ، ولا يتقص ولا يزاد من تقديري ، ذلك أني أنا الله الرحيم الحكيم . الصحيفة الرابعة صحيفة المعرفة من عرف الخلق عرف الخالق ، ومن عرف الرزق عرف الرازق ، ومن عرف نفسه عرف ربه ، ومن خلص إيمانه أمن دينه ، كيف تخفى معرفة الله ؟ والدلائل واضحة ، والبراهين على وحدانيته لائحة ، عجبا لمن غني عن الله ؟ وفي موضع

--> ( 1 ) السقاء : جلد السخلة ، إذا أجذع يكون للماء واللبن . ( 2 ) الخماص جمع الخميص يعنى خميص البطن من الجوع ، والبطان جمع البطين يعنى من كثرة الاكل ، وسيأتي . ( 3 ) توسم : تطلب وتغرس .